احمد جمال الجسار
19 May
19May

الملخص

الإشكالية: هيمن "نموذج العجز" لعقود على التحليل الإحصائي، مما جعل البيانات أداة لتشخيص الأزمات وتجاهل قياس مقومات القوة والتمكين.

المسار التاريخي: مرّ مفهوم "الإحصاء الإيجابي" بتحولات كبرى؛ بدأ كـ "تعداد وضعي محايد" في القرن الـ 19 (مع ريتشارد دوغديل)، وتحول إلى "أداة إدارية بيروقراطية" في المدرسة الفرنسية، وتقاطع مع "الانحيازات النفسية" في السلوك الجماهيري.

التحول المعاصر (2025-2026): شهد المفهوم ولادته الأحدث كمدرسة منهجية متكاملة على يد الباحث العراقي أحمد جمال الجسار. هذه المنهجية لا تلغي الإحصاء الكلاسيكي بل تكمله، عبر توجيه البوصلة الرياضية نحو قياس التمكين المستدام، مدعومة بمؤشرات مبتكرة وإطار مؤسسي وقانوني رصين.

المقدمة

تشكل البيانات والأرقام في العقل البشري الحديث الأساس المعرفي الذي تُبنى عليه سياسات الدول، وتُتخذ من خلاله القرارات المصيرية في كافة الحقول الممتدة من الاقتصاد إلى علم النفس والاجتماع. ومع ذلك، فإن علم الإحصاء، في جوهره الفلسفي، لم يكن يوماً مجرد آلة صماء تقوم بجمع الأرقام ومعالجتها رياضياً، بل هو حقل معرفي شديد التعقيد يتأثر بشكل مباشر بالمناخات السياسية والتوجهات الفلسفية للباحثين والمؤسسات. لقد خضع مفهوم "البيانات" وتفسيراتها لتحولات إبستمولوجية (معرفية) كبرى عبر مراحل التاريخ البشري، حيث ارتحل من كونه أداة للوصف الجاف إلى أن أصبح تقنية للسيطرة، ثم تطور ليصبح منهجية لتحقيق الرفاه والتمكين. وفي قلب هذا المخاض التاريخي الطويل، يبرز مصطلح "الإحصاء الإيجابي" (Positive Statistics)، وهو المفهوم الذي خضع لسلسلة من التحولات الدلالية العميقة.

يطرح هذا المقال البحثي الشامل استقصاءً تحليلياً ونقدياً معمقاً للإجابة عن تساؤل محوري حول أول من صاغ ونظّر لموضوع "الإحصاء الإيجابي" بمختلف اللغات والسياقات المعرفية. لا يكتفي هذا التحليل بتقديم إجابة أحادية، لأن البحث في أدبيات العلوم الاجتماعية والرياضية يكشف أن هذا المصطلح وُلد عدة مرات، وفي كل ولادة كان يحمل حمولة فلسفية وغايات تطبيقية مختلفة تماماً عن سابقتها. فقد بدأ المفهوم كأداة تصنيفية تعبر عن النزعة الوضعية التجريبية في أواخر القرن التاسع عشر على يد رواد علم الاجتماع الجنائي، ثم تبلور لاحقاً في المدارس السوسيولوجية الفرنسية كأداة للتحليل الإداري والنقدي، وتفرع في أدبيات علم النفس والاقتصاد للتعبير عن الانحيازات المعرفية لدى الجماهير، قبل أن يصل إلى صورته الأحدث والأكثر شمولية في القرن الحادي والعشرين كـ "مدرسة منهجية تحليلية متكاملة" تهدف إلى قياس عوامل النمو والتمكين البشري. سيقوم هذا المقال بتفكيك هذا المسار التاريخي المعقد، مستنداً إلى الشواهد الأكاديمية والبيانات الموثقة، لتقديم وثيقة مرجعية ترصد التطور المفاهيمي والرياضي والفلسفي لموضوع الإحصاء الإيجابي عبر الزمن.

التفكيك المعجمي والدلالي: الأبعاد المتعددة لمصطلح "الإيجابي" في الإحصاء

لفهم السياق التاريخي لظهور المفهوم، يجب أولاً تفكيك الاستخدامات المتعددة والمتباينة لكلمة "إيجابي" (Positive) في القاموس الإحصائي وتتبع دلالاتها الفلسفية والتقنية عبر الزمن. 

تاريخياً، لم يكن المصطلح يحمل دلالة جوهرية واحدة، بل توزع على عدة حقول دلالية تباينت بحسب الحقبة الزمنية، والتوجه العلمي، واللغة المستخدمة.

في التقاليد الإحصائية والرياضية الكلاسيكية الصارمة، استُخدمت كلمة "الإيجابي" كصفة رياضية وتقنية بحتة. على سبيل المثال، يُستخدم مصطلح "الارتباط الإيجابي" (Positive Correlation) للإشارة إلى علاقة طردية بين متغيرين. وبالمثل، يُستخدم مصطلح "الالتواء الإيجابي" (Positive Skewness) لوصف شكل التوزيع الاحتمالي للبيانات عندما يمتد ذيل التوزيع نحو اليمين. في هذه السياقات التقنية، تكون الكلمة مجردة تماماً من أي حمولة قيمية، أو أخلاقية، أو فلسفية، ولا تشير إطلاقاً إلى تيار أو مدرسة فكرية مستقلة ذات توجه تنموي.

أما في السياق الإعلامي، والخطاب السياسي العام، والأدبيات الاقتصادية الوصفية، فيُستخدم مصطلح "الإحصاءات الإيجابية" (Positive statistics) بشكل متكرر وتلقائي للإشارة إلى حزمة من البيانات الكمية التي تعكس أخباراً جيدة، أو نتائج مبشرة ترضي طموحات المجتمعات والحكومات. يشمل ذلك انخفاض معدلات البطالة، أو تراجع مستويات الجريمة والعنف، أو زيادة معدلات النمو الاقتصادي. ورغم شيوع هذا الاستخدام العرفي، فإنه يفتقر إلى التأطير المنهجي والنظري؛ إذ هو مجرد وصف تفضيلي أو انطباعي للنتائج، ولا يمثل بحد ذاته مدرسة تحليلية أو أداة منهجية.

ولكن، عندما ننتقل إلى سياق فلسفة العلوم والعلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا، نجد أن المصطلح قد اتخذ بُعداً إبستمولوجياً (معرفياً) عميقاً ومؤسساً. ففي القرن التاسع عشر، ارتبطت كلمة "إيجابي" ارتباطاً وثيقاً بالفلسفة الوضعية (Positivism) التي أرساها أوغيست كونت. في هذا الإطار، كان "الإحصاء الإيجابي" يعني "الإحصاء الوضعي"، أي ذلك المنهج التجريبي القائم حصرياً على استقراء الحقائق الملموسة والظواهر القابلة للقياس المباشر. بينما في القرن الحادي والعشرين، وتحت التأثير المتنامي لحركة علم النفس الإيجابي (Positive Psychology)، اكتسب المصطلح بُعداً تنموياً استباقياً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقياس جودة الحياة، والرفاهية المؤسسية، والتمكين الفردي.

التأسيس الأول للمصطلح: ريتشارد لويس دوغديل ونظرية "الإحصاء الإيجابي" الوضعي (1877)

عند تتبع الظهور التاريخي الأول والأقدم لمصطلح "الإحصاء الإيجابي" كأداة تصنيفية ومنهجية واضحة المعالم في أدبيات العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا الجنائية باللغة الإنجليزية، يبرز بشكل لا لبس فيه اسم الباحث وعالم الاجتماع والمصلح الجنائي الأمريكي ريتشارد لويس دوغديل (Richard L. Dugdale). في عام 1877، قدم دوغديل واحداً من أهم الأعمال الرائدة والمثيرة للجدل في تاريخ علم الاجتماع وتاريخ دراسات علم الإجرام، وهو كتابه الشهير "عائلة جيوكس: دراسة في الجريمة، والفقر، والمرض، والوراثة".

عرّف دوغديل "الإحصاء الإيجابي" تعريفاً يعكس الروح الوضعية؛ حيث اعتبره ذلك النوع من الإحصاء الذي يقوم بمجرد "سرد وتعداد الحقائق المتطابقة"، وتنسيقها من أجل اختزالها إلى مقياس مشترك لأغراض المقارنة. وشدد على أن الميزة الأساسية للإحصاء الإيجابي تكمن في حرصه التام على "عدم تغيير هذه الحقائق أو التلاعب بها من خلال الحيل والتقديرات الرياضية". وأكد أن بيانات "التعداد السكاني" هي أفضل توضيح على الإطلاق لهذا النوع الإحصائي.

في المقابل، حدد دوغديل مفهوم "الإحصاء التخميني" (Conjectural Statistics) على أنه يعتمد على تقدير واستنتاج الحقائق المجهولة من خلال بيانات وحقائق معروفة باستخدام الأجهزة والأدوات الرياضية.

القصور المنهجي والتحذير من وهم السببية

رغم إعلاء دوغديل من شأن الإحصاء الإيجابي لكونه أكثر أماناً وبعداً عن التخمين، فقد حذر صراحة من القيود المعرفية الخطيرة لاستخدامه في المنظومات الجنائية. واعتبر أن هذا النوع من الإحصاء "لا يفسر بأي حال من الأحوال أسباب الظواهر أو عواقبها"، مما قد يقود متخذي القرار إلى الخلط بين "المصادفات أو التزامن" وبين "الارتباطات السببية". بناءً على هذا الاستقصاء، يمكن الجزم بأن دوغديل هو أول من صاغ ونظّر صراحة للمصطلح بمعناه الوضعي التجريبي، مسجلاً بذلك سبقاً إبستمولوجياً في وضع الحدود المعرفية للأرقام.

ورغم هذا الاستخدام التاريخي المبكر للمصطلح، فإن مفهوم "الإحصاء الإيجابي" عند دوغديل لم يكن يمثل مدرسة تحليلية مستقلة، ولا منهجية تنموية، ولا إطارًا فلسفيًا متكاملًا، بل اقتصر على وصف تقني مرتبط بالفلسفة الوضعية والإحصاء الوصفي.

المدرسة السوسيولوجية الفرنسية و"الإحصاء الإيجابي": من الوصف إلى الإدارة المؤسسية

إذا كان دوغديل قد وضع البذور الإبستمولوجية الأولى في الولايات المتحدة، فإن مصطلح "الإحصاء الإيجابي" بنسخته الفرنسية (Statistique Positive) قد شق طريقاً مختلفاً تماماً، حيث تلائم بشكل مكثف مع الإدارة الحكومية للظواهر الاجتماعية.

في أوائل القرن العشرين، استخدم السوسيولوجي فرانسوا سيميان (François Simiand) "الإحصاء الإيجابي" كأداة لاستقراء الحقائق الاقتصادية بشكل صارم لقياس حركة تمثيلات المجموعات وتوجهاتها. ومع تقدم القرن العشرين، وتحديداً من 1970 وحتى التسعينيات، شهد المفهوم انزياحاً كبيراً نحو الإدارة المؤسسية للدولة. وقد وثّق الباحث إيمانويل ديدييه (Emmanuel Didier) كيف تحول مفهوم "المُسْتَبْعَد" إلى أروقة الإحصاء الرسمي. بمجرد دخول مفاهيم الفقر والتهميش في سجلات الإحصاء الإيجابي للدولة، أصبحت الإدارة النيوليبرالية الفرنسية قادرة على تحويل المشكلات المعقدة إلى فئات إحصائية قابلة للإدارة، مما رسخ أسلوب المقارنة المعيارية (Benchmarking) والمنافسة الكمية.

أثار هذا الاستخدام الوظيفي للإحصاء الإيجابي نقاشاً حاداً قاده بيير بورديو (Pierre Bourdieu)، والذي أسس لاحقاً لما يُعرف بحركة "الإحصاء المُنَشِّط" (Statactivisme). انطلقت هذه الحركة من تساؤل مشروع: كيف يمكن لهذا "الإحصاء الإيجابي" أن يدعي الكشف عن الواقع العميق للمجتمع إذا كان يعتمد على تصنيفات مسبقة تخدم مصالح الطبقة المهيمنة؟ أظهر هذا التطور كيف انتقل المفهوم في أوروبا إلى أداة للهيمنة الإدارية أفرزت تياراً نقدياً يحذر من قوة الأرقام في هندسة الواقع الاجتماعي بدلاً من عكسه.

الانحيازات المعرفية وسيكولوجيا الجماهير: لماذا نرفض "الإحصاءات الإيجابية"؟

بعيداً عن الأروقة الأكاديمية الصارمة، اكتسب المصطلح بصيغة الجمع زخماً في الخطاب الإعلامي وعلم النفس الاجتماعي للإشارة إلى أي بيانات تعكس تحسناً في جودة الحياة. إلا أن مراقبة التفاعل البشري كشفت عن ظاهرة نفسية ومجتمعية تتمثل في رفض الجمهور لتلك الإحصاءات الإيجابية لصالح تبني النظرة السلبية.


الركود النفسي (Vibecession): تجلت هذه الظاهرة في تقارير اقتصادية حديثة في دول مثل كندا، حيث تم رصد حالة من التناقض الحاد بين إحساس عميق بالضيق المالي لدى الجمهور، وبين الإحصاءات الإيجابية الكلية التي تؤكد تحقيق نمو حقيقي وتعافٍ اقتصادي قوي. تعكس هذه الحالة عجز الأرقام المجردة عن اختراق السرديات النفسية المتشائمة.

الاستدلال بالتوافر (Availability Heuristic): يمكن تفسير هذا التناقض من خلال ما قدمه دانييل كانيمان وعاموس تفرسكي؛ حيث يميل العقل البشري إلى تصديق أحدث المعلومات السلبية أو الصادمة وتجاهل الصورة الإحصائية الكبرى. يعتقد الناس خطأً أن معدلات الجريمة أعلى مما هي عليه، لأن العقل المبرمج تطورياً على الحذر يخصم من قيمة "الإحصاءات الإيجابية".

الجهل التعددي (Pluralistic Ignorance) ووصمة العار: أظهرت تجارب على برامج المساعدة الغذائية في الولايات المتحدة (SNAP) أن مستحقي الدعم يمتنعون عن التقديم لاعتقادهم بوجود وصمة عار مجتمعية. ولكن بمجرد تزويدهم بـ "إحصاءات إيجابية فعلية" توضح القبول العام للبرنامج، ارتفعت فوراً النوايا الشخصية للتقدم للحصول على المنافع، مما يثبت القوة الهائلة للإحصاءات الإيجابية في تعديل السلوك المجتمعي وتمكين الفئات المستضعفة.

البُعد التربوي والبيداغوجي: بناء "المواقف الإحصائية الإيجابية"

في مسار موازٍ، تغلغل مصطلح "الإحصاء الإيجابي" بقوة في أدبيات علم النفس التربوي تحت مسمى "المواقف الإحصائية الإيجابية" (Positive Statistics Attitudes). استجابة لظاهرة "القلق الإحصائي" (Statistics Anxiety) لدى الطلاب، برز نموذج "بيئة تعلم الاستدلال الإحصائي" (SRLE)، حيث يتم تشجيع الطلاب على فهم البيانات الواقعية والتعمق في المعاني بدلاً من الاستظهار الجاف.أثبتت القياسات النفسية أن الخبرات الإحصائية الإيجابية تمتلك تأثيراً طويل الأمد؛ فحتى عندما ينسى الطلاب التفاصيل الدقيقة للمعادلات، تبقى "المواقف الإيجابية" راسخة، مما يحفزهم على توظيف التفكير الإحصائي العقلاني في مساراتهم المستقبلية.

التحول النموذجي المعاصر: أحمد جمال الجسار وتأسيس "منهجية الإحصاء الإيجابي"

بالرغم من الاستخدامات التاريخية المتناثرة للمصطلح، فإن التأسيس الفلسفي والمنهجي والعلمي الأحدث والأكثر شمولية واكتمالاً لمفهوم "الإحصاء الإيجابي" باعتباره مدرسة تحليلية ومنهجية استراتيجية قائمة بذاتها قد تبلور باللغة العربية، ودخل المعترك الأكاديمي العالمي حديثاً جداً على يد الباحث والإحصائي العراقي أحمد جمال الجسّار في عامي 2025 و2026.انطلق الجسار من إدراك عميق لوجود خلل بنيوي في تعاطي المؤسسات مع البيانات. لم يعد المفهوم في عرفه مجرد وصف صحفي، بل أعاد صياغته ليكون "منهجية علمية وتطبيقية موجهة نحو التنمية والتمكين" تتكامل تماماً مع التحليل الإحصائي التقليدي، وتُكمل قصوره في قراءة المشهد الكلي.لضمان الرصانة والموثوقية المؤسسية، قام الجسار بتوثيق منهجيته أكاديمياً وقانونياً (CC BY-NC-SA 4.0)، وأسس "أكاديمية الإحصاء الإيجابي" (Positive Statistics Academy) كوحدة حيوية متخصصة تعمل تحت مظلة "مكتب الشرق الأوسط للخدمات التعليمية والتربوية". وقد تُوج هذا الجهد المؤسسي بإطلاق العدد الأول من المجلة العلمية المحكمة للأكاديمية (PSAJ) بنجاح في أواخر عام 2025، لتصبح المنصة البحثية الرائدة لنشر الدراسات التطبيقية التي تتبنى هذا التوجه.

المنطلقات الفلسفية والمؤشرات الابتكارية

استمد الجسار الجذور الفلسفية لمنهجيته من التطور الذي أحدثه "علم النفس الإيجابي" لمارتن سليغمان. لاحظ الجسار أن التحليلات الكلاسيكية غارقة في "نموذج العجز" (Deficit-oriented analysis). في المقابل، تدعو منهجية الإحصاء الإيجابي لتوجيه عدسة التحليل لتسليط الضوء بقوة متكافئة على قياس التحسن (Improvement)، والتمكين، والمرونة. إنها منهجية تبحث عن النجاح لفهمه وتعميمه، ولا تكتفي بمراقبة الفشل.لتعزيز البعد الرياضي، صاغ الجسار مؤشرات مركبة تمنح صانع القرار دقة رياضية متفائلة ومكملة لأساليب القياس التقليدية:

مؤشر التمكين الإيجابي (PEI): يتجاوز مقاييس النزعة المركزية التقليدية (كالمتوسطات البسيطة) ليقيس جودة الاندماج المؤسسي والفاعلية، وليس مجرد الحضور الرقمي.

مؤشر التقدم الإيجابي المركب (CPAI): أداة تتبع زمنية تقيس تراكم النجاحات وتجاوز العقبات، مما يوفر رؤية استراتيجية واضحة للنمو المستدام.

مؤشر التغطية الايجابية (PCI): لتقييم شمولية الأثر التنموي والتأكد من عدم تخلف أي فئة عن ركب التقدم.

وقد تم تطبيق هذه المنهجية بنجاح في سلسلة من الدراسات، شملت قياس الرفاه المؤسسي بهيئة الإحصاء العراقية، وتقييم التقدم في أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، واستكشاف الفرص الديموغرافية المستمدة من التعداد السكاني لعام 2024-2025. ولتعزيز الموثوقية القانونية والأكاديمية لهذه التطبيقات، حازت المنهجية على اعتراف رسمي وحماية فكرية في العراق؛ حيث تم تسجيل بحث علمي تطبيقي للباحث أحمد جمال الجسار بعنوان "التمكين الأيجابي في قطاع السياحة العراقي : تحليل تطبيقي باستخدام منهجية الإحصاء الأيجابي لعام 2023" كعمل أكاديمي علمي مسجل رسمياً في المركز الوطني لحماية حق المؤلف والحقوق المجاورة التابع لوزارة الثقافة العراقية ، برقم إيداع (2756/ع) ، وذلك في أواخر عام 2025. هذا التوثيق الحكومي يمنح منهجية "الإحصاء الإيجابي" شرعية مؤسسية وقانونية غير مسبوقة كأداة معتمدة للتحليل الاقتصادي والقطاعي في أروقة الدولة. 

إعادة القراءة التاريخية: الجذور التأصيلية للإحصاء الإيجابي وفق رؤية الجسار

يتميز الطرح الأكاديمي للباحث أحمد الجسار بقراءة تتبعية إبستمولوجية تتحدى السردية الغربية التقليدية، حيث ربط التحليل الاستكشافي بجذور عربية وإسلامية أصيلة مدمجة مع الإسهامات الأوروبية:

  • يعقوب بن إسحاق الكندي (القرن الـ 9 م): يعتبره الجسار الممهد الأول للتفكير الإحصائي عبر تقنية "التحليل التكراري" لكسر الشفرات.
  • ابن خلدون (القرن الـ 14 م): أرسى دعائم الإحصاء السوسيولوجي من خلال تحليله للبيانات الديموغرافية لفهم صعود وهبوط الدول.
  • جون غرونت وويليام بيتي (القرن الـ 17 م): أسسا الديموغرافيا المنهجية و"الحساب السياسي" لخدمة سياسات الدولة.
  • فلورنس نايتنجيل (القرن الـ 19 م): رائدة التصور الإحصائي (Data Visualization)، التي استخدمت البيانات كقوة دافعة للإصلاح الصحي وإنقاذ الأرواح.
  • جون توكي (القرن الـ 20 م): شكل نقطة تحول نحو الفلسفة الإيجابية بتأسيسه "تحليل البيانات الاستكشافي"، داعياً الباحثين لاكتشاف الأنماط دون التقيد الصارم بنماذج الفرضيات المسبقة.

"تمثل المنهجية المعاصرة إعادة صياغة إبستمولوجية حديثة تستفيد من التراكم التاريخي للفكر الإحصائي، لكنها تقدم إطارًا تحليليًا جديدًا مستقلًا في غاياته ومفاهيمه ومؤشراته."


مقارنة تحليلية إبستمولوجية لمدارس "الإحصاء الإيجابي"

الخاتمة

يكشف هذا الغوص الاستقصائي عن صورة بالغة الثراء والديناميكية لمصطلح "الإحصاء الإيجابي". فالسؤال حول من صاغ هذا المصطلح ومن نظّر له لا يقبل إجابة مقتضبة، نظراً لتعرض المفهوم لتحولات جذرية باختلاف القرون التي مر بها.بدأ كقيد وصفي محذر عند دوغديل في القرن التاسع عشر، وارتحل نحو حقل السيطرة الإدارية في المدرسة السوسيولوجية الفرنسية، وتقاطع مع السلوكيات الجماهيرية المتشائمة.

 لكن التأسيس المنهجي المعاصر، الذي نقل "الإحصاء الإيجابي" من مجرد وصف متفرق ليصبح "مدرسة تحليلية متكاملة" (Analytical Methodology)، تحقق بامتياز على يد الباحث الإحصائي العراقي أحمد جمال الجسار في أروقة "مكتب الشرق الأوسط للخدمات التعليمية والتربوية". عبر دمجه بين مبادئ علم النفس الإيجابي، والتتبع التاريخي للفكر الإحصائي، وتطوير المؤشرات الحديثة، قدم الجسار منهجية تتجاوز "نموذج العجز".

في المحصلة، يُثبت مسار "الإحصاء الإيجابي" أن البيانات قوة هائلة، وأن توجيه عدسة الإحصاء نحو قياس مكامن القوة وصناعة المستقبل والتمكين المؤسسي لا يقل أهمية - بل يتفوق - على الانشغال المرضي بتشريح أسباب الفشل والانهيار.